مصطفى مسلم

63

مباحث في التفسير الموضوعي

أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهيّ عنه في الأمور المتعلقة بكتاب اللّه سبحانه وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف ، فجاءوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف ، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلا عن كلام الرب سبحانه ، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف وجعلوه المقصد الأهم من التأليف ، كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه ومن تأخره . وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقا على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزل الوحي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أن قبضه اللّه عز وجل إليه . وكل عاقل فضلا عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية لنزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها بل قد يكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالا ، وتحليل أمر كان حراما ، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص تناقض ما كان قد ثبت لهم قبله ، وتارة يكون الكلام مع المسلمين وتارة مع الكافرين ، وتارة مع من مضى وتارة مع من حضر ، وحينا في عبادة ، وحينا في معاملة ، ووقتا في ترغيب ووقتا في ترهيب ، وآونة في بشارة وآونة في نذارة ، وطورا في أمر دنيا وتارة في أمر آخرة ، ومرة في تكاليف آتية ومرة في أقاصيص ماضية . وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف ، فالقرآن النازل فيها باعتبار نفسه مختلف كاختلافها ، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين العنب والتوت ، والماء والنار ، والملاح والحادي ؟ وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض ، أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور ؟ فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا الأمر لا بد منه ، وأنه لا يكون القرآن بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة ، وتبين الأمر الموجب للارتباط ، فإن وجد الاختلاف بين الآيات رجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك ، فوجده تكلفا محضا وتعسفا بينا ، انقدح في قلبه ما كان عليه في عافية وسلامة ، هذا على فرض أن نزول